الشيخ محمد رشيد رضا

228

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

دخيلا في بلاده . فهذا النوع من التفرق إذا لم يكن من التفريق للدين في إحدى الاءتين في الآية فهو من المفارقة له في الاءة الأخرى وهي شر الامرين فإنه ترك لهدايته في وحدة الأمة وأخوة الدين وإقامة الشريعة وحفظها . غير هؤلاء المسلمون بفساد أمرائهم وزعمائهم ما بأنفسهم فغير اللّه ما بهم . وسلبهم عزهم وسلطانهم وما ظلمهم بذلك ولكن ظلموا أنفسهم بعد ان أنذرهم وحذرهم فكانوا من الأخسرين أعمالا ( الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) بين اللّه تعالى لهم في كتابه سننه في الأمم - ومنها هلاك المتفرقة - وانها لا تتبدل ولا تتحول ولكنهم هجروا الكتاب حتى أن رجال الدين منهم تركوا ارشاد الحكام والأمة به بل استغنوا عن هدايته بتقليد شيوخهم . وأيدوا الحكام وأوهم على ضلالهم لأجل ما بأيديهم من فضلات الرزق ومظاهر الجاه الاصلاح والدعوة إلى الوحدة ولكن اللّه تعالى لم يحرم الأمة من نذير يجدد هداية الرسل فقد بعث على رأس هذا الن الهجري حكيما من سلالة العترة النبوية يجدد لها امر دينها بالدعوة إلى الوحدة . والرجوع عما ابتليت به من التفرقة . وشد أزره في ذلك مريد له تخرج به فكان أفصح لسانا وأوضح بيانا . وقد استفادت الأمة من اصلاح هذين الحكيمين ومن جرى على اثرهما ما بعث فيها الاستعداد للوحدة . والدعاية لجمع الكلمة ولكن الأمم لا تتربى بالارشاد الا إذا أعدت الأنفس له الشدائد والمصائب . ولا سيما أنفس أهل الجهل المركب المغرورين بما بقي لهم من حثالة الملك وبقايا مظاهر العظمة الباطلة ومن الغريب ان أكثر الشعوب الاسلامية كانت مغرورة بالدولة العثمانية متكلة عليها لأنها أقوى دولهم وهم غافلون كشعبها عما عراها من الضعف والوهن حتى أن كانوا ليعادون من يقول انا نحتاج إلى اصلاح وكان السيد الأفغاني - وهو الموقظ الأول - يقول إن انكسار الدولة العثمانية في الحروب الروسية الأخيرة في عهده هو الذي أعد المسلمين لادراك الخطر الذي يحيق بهم والحاجة إلى الاصلاح . وقال بعض أذكياء رجالها : ان انتصار السلطان عبد الحميد على الدولة اخر ما نرجو من الاصلاح سنين كثيرة . ونقول إن المواد الأعظم منهم من التابعين لها ومن غيرهم قد ظلوا سادرين في غرورهم . جامحين في غيهم . إلى أن انكسرت هذا